حسن البنا

59

نظرات في كتاب الله

وغيرها من العلوم الإسلامية ، فتراه رحمه الله مدركا للسيرة وأحداثها ، بل يستشهد بها بطلاقة ، كما في تفسيره لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [ الحجرات : 4 ] . ونرى استيعابه الشديد لأحداث التاريخ ، واهتمامه بالتاريخ ، ولذا حرص البنا على أن يكون لدى الإخوان المسلمين ثقافة تاريخية ، وقال : ويقرأ ولو على الأقل كتاب ( حماة الإسلام ) ، ولكن البنا كان متعمّقا في دراسة التاريخ ، ترى ذلك واضحا - مثلا - في تفسيره لقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ [ التوبة : 29 ] ، وتراه كذلك مستعينا في كثير من الآيات بالفقه الإسلامي ، والعقيدة فيما يتّصل بها من آيات . رابعا : العلوم العصرية : كما استعان البنا بالعلوم العصرية في تفسيره ، فتراه يستشهد بكتب علمية بحتة ، وقد يظن القارئ أن لا علاقة بينها وبين التفسير ، ولكن البنا استطاع أن يستفيد منها بما يخدم الفكرة التي يعرضها ، تجد ذلك واضحا في تفسيره لسورة الرعد ، عند تفسيره لقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ [ الرعد : 2 ] . بل كان يطلع الإمام البنا على كتابات الغربيين ، ويوظف هذه الكتابات في خدمة الفكرة الإسلامية ، وفي خدمة الآية التي يتعرض لها ، ويتضح ذلك بجلاء في سورة الرعد ، فقد كان رحمه الله دائم الاطلاع ، وهذا ما يحكيه أحد تلامذته فيقول : " كان الإمام رضوان الله عليه سريع القراءة بدرجة مدهشة ، وهذا يرجع لكثرة الاطلاع ، فكان يكفيه نصف ساعة للاطلاع على الجرائد اليومية ، وكان يقرأ مجلة ( المختار ) ، وهي المجلة التي كانت معروفة بجمود موادها من الجلدة إلى الجلدة ، ليتعرف على أفكار الغرب " « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : مقال ( مع الإمام الشهيد ) للأستاذ عبد الحليم الوشاحى المنشور في مجلة ( الدعوة ) الصادرة في 13 فبراير سنة 1951 م . نقلا عن كتاب ( حسن البنا بأقلام تلامذته ومعاصريه ) ص 132 ، 134 .